عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
307
اللباب في علوم الكتاب
واختلفوا في تفسيره ، فقال الحسن : القدس ، هو اللّه - تعالى - وروحه جبريل - عليه الصّلاة والسّلام - والإضافة للتّشريف « 1 » . والمعنى أعناه بجبريل في أوّل أمره ، ووسطه ، وآخره . أمّا أوله ؛ فلقوله تعالى : فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا [ التحريم : 12 ] . وأما الوسط ، فلأن جبريل علّمه العلوم ، وحفظه من الأعداء . وأما آخر أمره ، فحين أرادت اليهود قتله أعانه جبريل - عليه الصّلاة والسّلام - ورفعه إلى السّماء ، ويدلّ على أنّ روح القدس جبريل - عليه الصّلاة والسّلام - ؛ قوله تعالى : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ [ النحل : 102 ] . ونقل عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أنّ روح القدس هو الاسم الذي كان يحيي عيسى عليه السلام به الموتى « 2 » . وقال أبو مسلم « 3 » : روح القدس الذي أيّده به يجوز أن يكون الروح الطاهرة التي نفخها اللّه تعالى فيه وميزه بها عن غيره من المخلوقات ممن خلق من اجتماع نطفتي الذكر والأنثى . قوله : « وَلَوْ شاءَ اللَّهُ » مفعوله محذوف ، فقيل : تقديره : ألّا تختلفوا وقيل : ألّا تقتتلوا . وقيل : ألّا تؤمروا بالقتال . وقيل : أن يضطرّهم إلى الإيمان ، وكلّها متقاربة . و « مِنْ بَعْدِهِمْ » متعلّق بمحذوف ، لأنه صلة ، والضّمير يعود على الرّسل . وقيل يعود على موسى ، وعيسى ، والاثنان جمع . قال القرطبيّ « 4 » : والأوّل ظاهر اللّفظ ، وأنّ القتال إنّما وقع ممّن جاءوا بعدهم وليس كذلك ، بل المراد ما اقتتل الناس بعد كلّ نبي ، وهذا كما تقول : « اشتريت خيلا ، ثمّ بعتها » . وهذه عبارة جائزة ، وأنت إنّما اشتريت فرسا وبعته ثم آخر وبعته ، ثم آخر وبعته ، وكذلك هذه النّوازل « 5 » ، إنما اختلف النّاس بعد كلّ نبي ، فمنهم من آمن ، ومنهم من كفر بغيا وحسدا . و « مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ » فيه قولان : أحدهما : أنه بدل من قوله : « مِنْ بَعْدِهِمْ » بإعادة العامل . والثاني : أنه متعلّق باقتتل ، إذ في البيّنات - وهي الدلالات الواضحة - ما يغني عن
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 172 . ( 2 ) ذكره الفخر الرازي في « التفسير الكبير » ( 6 / 172 ) عن ابن عباس . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 172 . ( 4 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 173 . ( 5 ) في ب : هو النوازل .